RASSD TV

[فيديو][threecolumns]

سياسة

[سياسة][bsummary]

مجتمع

[مجتمع][bsummary]

المرأة

[المرأة][twocolumns]

مراسلاتكم

[مراسلاتكم][list]

حوادث

[حوادث][bleft]

صور

[صور][grids]

معاهدة الحماية.. عندما يتسبّب السلطان في استعمار الأوطان


رصد المغربية - عبد الرحيم العلام

في هذه المقالة سيصُار إلى طرح سؤال: كيف استُعمر المغرب، بدل طرح السؤال عن الكيفية التي تم بها تحقيق الاستقلال، فلئن كان الجواب عن المسار الذي سلكه المغاربة لنيل استقلالهم العسكري عن فرنسا واسبانيا قد أضحى معروفا لدى العديد من المغاربة، فإن الجواب عن سؤال كيف احتُلّ المغرب يبقى شبه مجهول لغير المهتمين بالتاريخ المعاصر للمغرب.

ولأن الأسباب التي أدت إلى استعمار المغرب متعددة منها ما هو خارجي (التوسّع الامبريالي)، ومنها ما هو داخلي (تراجع المغرب على المستوى الاقتصادي والعسكري)، فإن التركيز سيتم على الجانب السياسي، وبالأخص فيما يتعلق بالدور الذي لعبه السلطان عبد الحفيظ خلال المراحل الأولى لدخول الاستعمار، وذلك بتوقيعه على معاهدة الحماية. إذ سيتم حصر النقاش حول بنود وثيقة الحماية التي صدرت أول مرة في العدد الأول للجريدة الرسمية باللغة الفرنسية سنة 1913.
من حيث الشكل، يمكن القول بأن الوثيقة هي من أوجز الوثائق المتداولة في المجال السياسي أو الدبلوماسي، فهي تقع في صفحة واحدة، وتضم تسعة فصول، تَمّ تخصيص كل فصل لغاية معينة. أما الاسم الذي اختير لهذه الوثيقة التي وُقّعت بفاس في 30 مارس 1912 فهو كالتالي: "معاهدة تنظيم الحماية الفرنسية للمملكة الشريفة". وابستثناء بعض الألقاب التي يتصف بها السلطان عبد الحفيظ من قبِيل "جلالته" و "الشريف"، فإن الوثيقة تخلو من عبارات التبجيل والمديح، ويعود ذلك إلى أنها كُتبت أصلا من قِبل السلطات الفرنسية وتم تمريرها للجانب المغربي، ليس بهدف إبداء الرأي، وإنما للموافقة والتوقيع.
من يحث المضمون، تم التمهيد لبنود الوثيقة بالتأكيد على أن "حكومة الجمهورية الفرنسية وحكومة صاحب الجلالة السلطان الشريف"، قد اتفقتا على "تطبيق نظام جديد لضمان الاستقرار الداخلي والأمن العام، وذلك لإدخال الإصلاحات التي ستمكن المغرب من إنجاح تنميته الاقتصادية"، حيث حاول الفرنسيون إظهار الأمر وكأنه مجرد تعاون بين حكومتين تسعيان لتوفير الأمن والرخاء الاقتصادي، بعيدا عن أي تصور للإكراه أو الإرغام، أي الإيهام بأن المسألة لا تتعلق باستعمار عسكري، لكن الأمر سينكشف بعد الاطلاع على بنود الوثيقة. فرغم أن البند الأول قد كرّر تقريبا نفس ما جاء في ديباجة الوثيقة من حيث التأكيد على عنصر الاتفاق بدل الاكراه، وتحديد مضامين التعاقد، فإن البند الثاني جاء ليوضّح بأن الأمر يتعلق باستعمار عسكري، لا يمكن أن يخطئه التوصيف: "جلالة السلطان يساعد من الآن على الاحتلالات العسكرية بالإيّالة المغربية....الدولة الفرنسوية تقوم بعمل الحراسة برا وكذلك بحرا بالمياه المغربية". فهنا الحديث واضح بأن على "صاحب الجلالة" كفّ يده عن كل السياسات التنفيذية، مقابل تحويل صلاحياته للعسكر الفرنسي، بل عليه أيضا مساعدة الفرنسيين على بسط احتلالهم للأقاليم المغربية.
ويزداد الأمر وضوحا كلم تتالت فصول المعاهدة، حيث أن على السلطان أن يصادق على كل القرارات التي تطبقها سلطات الحماية (الفصل 4)، كما أن من حق المقيم العام أن يكون هو "الواسطة الوحيدة بين السلطان ونواب الأجانب"، و يكون له أيضا "التفويض بالمصادقة والإبرام في اسم الدولة الفرنسوية لجميع القوانين الصادرة من جلالة السلطان"(الفصل الخامس).ولا يمكن للسلطان المغربي أن يتصرف في أي من الأمور الخارجية، لأن ذلك مكفول فقط للقناصلة الفرنسيين، فهم الذين ينوبون عن "المخزن والمكلفون بحماية رعايا ومصالح المغرب بالأقطار الأجنبية"(الفصل 6).
وفي المجال الاقتصادي تفرض المعاهدة أن "تتعاهد كل من حكومتي الجمهورية الفرنسية والسلطان الشريف على تطبيق الاتفاق المشترك للإصلاح المالي الضروري لضمان مصالح الدائنين للخزينة الشريفة، وكذا للمحافظة على عائدات الخزينة"، ومن غير المسموح للسلطان عبد الحفيظ أن يمارس أي تعامل تجاري أو مالي، إذ عليه أن "يتعهد بعدم عقد أي وِفقٍ (اتفاقية) كان له معنى دولي من غير موافقة الدولة الفرنسوية".
لكن ما هو المقابل الذي يحصل عليه المغرب وسلطانه العلوي "المولى عبد الحفيظ"؟ وهل ثمّة حقوقا تعود على الشعب المغربي عموما في مواجهة الواجبات المفروضة على السلطان وعلى الشعب؟ هل وافق السلطان على معاهدة الحماية من أجل الشعب أم بهدف شخصي؟ وهل ضحى السلطان بنفسه من أجل حرية واستقرار "رعيته"؟ وهل حافظ "جلالة السلطان" على استقلال البلاد مقابل التفريط في حكمه؟
للإجابة عن هذه الأسئلة المتعدد، ينبغي العودة مرة أخرى إلى بنود معاهدة الحماية، وبالضبط الفصل الثالث منها الذي نص صراحة ومن دون تلميح إلى ما يلي: "دولة الجمهورية تتعهد باعطائها لجلالة السلطان الإعانة المستمرة ضد كل خطر يمسّ بذاته الشريفة أو بكرسي مملكته....وهذه الاعانة تعطى أيضا لولي عهده ولمن يخلفه...". إن هذا البند وهو الوحيد الذي يُرتّب واجبات على المستعمر، يوضّح بشكل لا لبس فيه كيف أن المقابل الذي سيحصل عليه المغاربة مقابل كل الشروط المُجحِفة التي تم فرضها عليهم، هو أن على السلطات الفرنسية حماية عرش السلطان وعائلته ونسله، لكن دون أن تَنصرِف تلك الحماية إلى عامة الشعب، أو تلتزم فرنسا بعدم المساس بـ "رعايا صاحب الجلالة"، فهؤلاء غير مدرجين في بنود المعاهدة إلا من حيث إلزامهم باحترام العسكر الفرنسي وتقديم الخدمات، وتوفير الموارد للخزينة من أجل استخلاص الديون. لكن هل كان بمقدور السلطان عبد الحفيظ أن يغير في بنود المعاهدة؟ أم أن الأمور كانت أكبر منه ولم يكن بمستطاعه التقرير في الأمر؟
تشير العديد من الوقائع أن عبد الحفيظ ساهم إلى حد كبير في الوضع الذي آلت إليه الأوضاع في المغرب سواء قبل توقيع المعاهدة أو بعده؛ فلقد تخلّى عن شروط البيعة التي بموجبها تولى الحكم بعد الاطاحة بشقيقه بعد العزيز، كما أنه ناصب العلماء العداء ورفض نصائحهم، وأبعد المفكرين والمستنرين منهم، وقرّب إليه المدّاحون والمتملّقون، كما رفض إقرار دستور 1908 الذي كان سيجعل من المغرب أول دولة دستورية في المنطقة، وقام بقتل أحد أهم المعارضين لسياسته التعسفية، وهو الشيخ أبو الفيض الكتاني الذي تولى قراءة شروط البيعة، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى، تشير بعض الوقائع إلى أن عبد الحفيظ هو من بادر إلى طلب حماية السلطات الفرنسية، لكي يضمن بقاء عرشه ويواجه مطالب معارضيه، وهو الذي قبِل توقيع المعاهدة رغم الانتقادات الشديدة التي حضيت بها الوثيقة، حتى أن القبائل أطلقت على عبد الحفيظ "سلطان النصارى" بعد توقيعه على هذه المعاهدة. ودليل ذلك، أن المؤرخين يشيرون إلى أن عبد الحفيظ قد ندم على تصرفاته هذه، وتاب منها، مما دفعه إلى التنازل على الحكم لصالح أخيه يوسف بن الحسن، وإن كانت تمت قراءات أخرى تشير إلى أنه لم يفعل ذلك إلا بعد أن تشتت حكمه وأيقن أنه لن يستطيع أن يحفظ العرش العلوي إذا بقي هو في الحكم.
ملحوظة: المرجع الأساسي المعتمد في هذه الوثيقة هو أحد المؤرخين العلويين المسمى المولى عبد الرحمان بن زيدان، مؤلف كتاب "العلائق السياسية للدولة العلوية" الذي حققه وقدّم له، عبد اللطيف الشاذلي، والمطبوع بالمطبعة الملكية، الرباط سنة 1990. وهو المرجع ذاته الذي يعتمد عليه الكتاب المدرسي الذي قررته وزارة التربية الوطنية المغربية.
[email protected]*

اقرأ ايضا

التعليقات