RASSD TV

[فيديو][threecolumns]

سياسة

[سياسة][bsummary]

مجتمع

[مجتمع][bsummary]

المرأة

[المرأة][twocolumns]

مراسلاتكم

[مراسلاتكم][list]

حوادث

[حوادث][bleft]

صور

[صور][grids]

الملك “يطحن” روح دستور 2011 ويتجاهل حراك شهيد الكرامة محسن فكري


أنوال بريس محمد المساوي
لأول مرة في تاريخ المغرب ألقى الملك محمد السادس خطاب المسيرة الخضراء من عاصمة دولة السينغال، وفسر القاءه للخطاب من السينغال بكون هذا البلد من الدول التي شاركت في المسيرة الخضراء، ومن الدول المدافعة عن الوحدة الترابية للمغرب، وبل -يضيف الملك في خطابه- “أكثر من ذلك، فقد أبان قولا وفعلا، في عدة مناسبات أنه يعتبر مسألة الصحراء المغربية، بمثابة قضيته الوطنية.”
وبالنظر الى ما فسّر به الملك خطوة اقدامه على توجيه الخطاب الى الشعب المغربي من السينغال (ظل يردد كما في كل الخطابات لازمة :شعبي العزيز)، وبالنظر لأن المناسبة هي المسيرة الخضراء، لهذا كانت معظم فقرات الخطاب مخصصة للحديث عن قضية الصحراء وعن العلاقات المغربية والافريقية، هذا كان الموضوع الاساس للخطاب، لكن في ثنايا الموضوع الاساس قام بالاشارة إلى موضوع حساس يشغل بال الادوات الحزبية للنسق السياسي المخزني، ونعني بذلك موضوع تشكيل الحكومة الذي لم يتقدم قيد انملة رغم مرور شهر على انتخابات 7 اكتوبر، وسنحاول تخصيص هذا التحليل لهذا الموضوع فقط دون سواه من الموضوعات التي تطرق إليها الخطاب.
تحدث الملك بلهجة صارمة حول موضوع تشكيل الحكومة المقبلة، ليوحي في خطابه أن المفاوضات التي يقودها رئيس الحكومة المعين لم تنل رضاه، فحاول أن يضع خارطة طريق للاسراع في تشكيل الحكومة، يقول الملك في خطابه: “إن المغرب يحتاج لحكومة جادة ومسؤولة. غير أن الحكومة المقبلة، لا ينبغي أن تكون مسألة حسابية، تتعلق بإرضاء رغبات أحزاب سياسية، وتكوين أغلبية عددية، وكأن الأمر يتعلق بتقسيم غنيمة انتخابية” ثم يضيف :”الحكومة هي هيكلة فعالة ومنسجمة، تتلاءم مع البرنامج والأسبقيات. وهي كفاءات مؤهلة، باختصاصات قطاعية مضبوطة. وسأحرص على أن يتم تشكيل الحكومة المقبلة، طبقا لهذه المعايير، ووفق منهجية صارمة. ولن أتسامح مع أي محاولة للخروج عنها. فالمغاربة ينتظرون من الحكومة المقبلة أن تكون في مستوى هذه المرحلة الحاسمة.”
من خلال هذا التحذير والتوجيه تبدو لنا ملاحظتين اثنتين في غاية الاهمية:
الاولى: متعلقة بضرب الفصل 47 من الدستور، بفصل اخر هو الفصل 42، فإذا كان الفصل 47 ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب الفائز بالانتخابات، ويعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها، غير أن في هذا الخطاب لم يلتزم بروح الفصل 47 الذي ينص على ان الملك يعين اعضاء الحكومة بناء على اقتراح رئيس الحكومة، وحاول أن يضع شروطا لاختيار اعضاء الحكومة، منها ان تكون كفاءات مؤهلة وان تكون الحكومة باختصاصات قطاعية مضبوطة، واردف ذلك بقوله أنه لن يتسامح مع أي محاولة للخروج عن هذا.
لأول وهلة قد يبدو الامر منطقيا وواجبا، لكن ما يخفيه هذا التوجيه والتحذير هو تجاوز وطمس روح دستور 2011 الذي حاول ان يزاوج بين سلطة الملك وسلطة رئيس الحكومة، طبعا ظلت سلطة الملك هي الراجحة، لكن ثمة بعض الصلاحيات التي مُنحت لرئيس الحكومة لم تكن في الدساتير السابقة، كما أن هذه الصلاحيات تمكّن رئيس الحكومة من ممارسة سلطته النابعة من صناديق الانتخابات، بيد أن ما جاء على لسان الملك في خطابه قوّض سلطة رئيس الحكومة نهائيا، وجعله مجرد موظف تابع للملك، يأتمر بأوامره، ولا سلطة تعلو ولا حتى تضارع وتشارك سلطة الملك.
قد يجتهد المتحذلقون ليقولوا لنا أن ما قاله الملك في خطابه هو من صميم الدستور، حيث أن الفصل 42 ينص على أن الملك “ضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، وعلى احترام التعهدات الدولية للمملكة”، مما يعني أن تدخل الملك كان من صميم اختصاصه الدستوري المنصوص عليه في هذا الفصل، غير أن هذا الفصل المخاتل والمراوغ ينص على ضمان دوام الدولة واستمرارها وأن الملك هو الحكم الاعلى بين مؤسساتها، وفي نفس الوقت يسهر على احترام الدستور، وليس ثمة شيء في الدستور اسمه تشكيل الحكومة من “كفاءات مؤهلة، باختصاصات قطاعية مضبوطة” التي وضعها الملك كمعايير صارمة في تشكيل الحكومة المقبلة، فالحديث عن الكفاءات المؤهلة، هو ضرب لشرعية الانتخابات، وضرب لمصداقية العمل السياسي، ومحاولة اصباغ الحكومة بالطابع التكنوقراطي المحض. وما تسخينات أخنوش إلا عزف متواتر على نفس النغمة الملكية.
الثانية: إن حديث الملك عن “كفاءات مؤهلة” لتشكيل الحكومة، هو تأشير على عودة قوية للتكنوقراط، فتعبير “كفاءة مؤهلة” اذا قرأناه بلغة سياسية مباشرة فإنه يعني كفاءات تكنوقراطية وليست سياسية، مما يعني أن الملك يرسل توجيها مباشرا الى بنكيران فحواه، عليك أن تشكل حكومة عمودها الاساس وزراء تكنوقراط وبعدد أقل وأنا سأضمن لك الاغلبية الحكومية، أما إن اردت ان تفاوض الاحزاب لتشكيل حكومة سياسية فلن اسمح به، لأن حكومة جلالة الملك ليست غنيمة انتخابية.
نعم الحكومة ليست غنيمة انتخابية، لكن ايضا ليست جهازا بيروقراطيا يختاره الملك كما يشاء، بل هي مؤسسة لها استقلاليتها، وهي مؤسسة تنبثق (نظريا وليس عمليا في المغرب) من صناديق الاقتراع، ومن الواجب أن يخضع تشكيلها للتحالفات السياسية، وليس للمعاير التي ذكرها الملك في خطابه وسماها معايير صارمة، وإلا فكان الاحرى عدم اجراء هذه الانتخابات اصلا، وما الجدوى منها، ولماذا تخسر عليها الملايين إذا كان الملك سيأتي اخيرا ويقول هذه معايير تشكيل الحكومة بما يضرب في الصميم روح الانتخابات.
إن حديث الملك عن الحكومة بتلك الصرامة والرغبة الجامحة في فرض معايير تشكيلها، هو استعادة لحادث تعيين حكومة ادريس جطو التكنوقراطية سنة 2002، والتخلي عن عبد الرحمان اليوسفي الذي قاد التناوب، وحل حزبه أولا في انتخابات 2002، غير أن الملك حينها ذهب الى تعيين “كفاءة مؤهلة” (ادريس جطو) حسب معاييره، وضرب عرض الحائط بالمنهجية الديموقراطية التي تقتضي تعيين عبد الرحمان اليوسفي بوصف حزبه هو الفائز في الانتخابات.
إذا كان دستور 96 لم ينص على تعيين الملك لرئيس الحكومة من الحزب الفائز بالانتخابات، وهو ما اتاح للملك أن يعين ادريس جطو بدلا من اليوسفي، فإن دستور 2011 نص في الفصل 47 على تعيين الملك لرئيس الحكومة من الحزب الفائز، لكن في نفس الوقت اتاح الفصل 42 مجالا واسعا للتأويل والتحايل والتفسير. وإذا كان الملك من حقه دستوريا ان يعين جطو لا اليوسفي سنة 2002، فإن الملك اليوم عيّن بنكيران رئيسا للحكومة تطبيقا للفصل 47، وتطبيقا ايضا للفصل 42 سيفرض عليه حكومة تقنوقراطية ستجعل من بنكيران “دمدومة” يستمر في حكي نكاته وطرائفه بينما سيواصل التكنوقراط سيطرتهم على جل القطاعات الحيوية. وهكذا سنكون امام نفس سيناريو صفعة اليوسفي 2002 الذي خدم الملكية في مرحلة انتقالية، وهاهي الصفعة تتكرر مرة أخرى مع بنكيران الذي خدم الملكية ضد الحراك الشعبي في المغرب، ولا نظن أن بنكيران سيقول لا للملك أو سيعتذر عما قد يُفرض عليه، لأنه بكل بساطة هو نفسه يصر على اقحام الملك بمناسبة او بدون مناسبة، ويصر على التذكير في جل حواراته الصحفية أن الملك هو الذي يحكم، وانه هو مجرد معاون للملك، رغم ان الدستور لا يقول ذلك، بل حاول ان يجعل بعض التوازن، خاصة في بعض المجالات، وان كان كبل هذا التوازن بفصول أخرى من الدستور صالحة للتأويل في اتجاه مركزة السلطة في يد الملك.
من هنا يتبين أن دستور 2011 كان فخا نُصب لاسكات الحراك الشعبي، كما أنه صِيغ بلغة اسفنجية قادرة على استيعاب كل شيء، وظلت أغلب الفصول مدمغة بالتعويم وترك فراغات ينفذ منها التأويل الذي يزكي السلطوية والملكية التنفيذية. وهذا ما يؤكد أنه لا بصيص أمل يرجى من العمل المؤسساتي المكبل بسياسة النسق المخزني، فمهما تعددت الاسماء وتنوعت المساحيق يظل الملك وحده الحاكم الفعلي، وتظل الملكية التنفيذية وحدها تستأسد، وما سواها مجرد مؤسسات لا قرار لها إلا ان تدور على محور المؤسسة الملكية.
في الاخير، تجدر الاشارة إلى نقطة مهمة سُجلت على خطاب الملك، وهي عدم اشارته من بعيد ولا من قريب لقضية “شهيد الحكرة” محسن فكري، ولا الاشارة إلى الاحتجاجات الشعبية التي يعيشها المغرب منذ وفاته، رغم أن الموضوع استأثر باهتمام جل وسائلا الاعلام العالمية المعروفة، كما استأثر باهتمام مؤسسات دولية، غير أن الملك حاول أن يبدو في الخطاب وكأنه غير معني بالموضوع أو لا علم له به، وهذا ليس بجديد على الخطب الملكية، فحتى في عز الحراك الشعبي في 20 فبراير، اضطر تحت ضغط الشارع الى القاء خطاب 9 مارس للاعلان على مجموعة من الاجراءات وعن مراجعة الدستور، ومع ذلك لم يشر ولو اشارة الى ما يعرفه الشارع من حراك حينئذ. ربما هو نوع من التعالي الملكي الذي جعله يرفض حتى أن يأتي في خطبه على ذكر ما يعانيه ويعيشه شعبه الذي يصفه بالعزيز في خطبه؟

اقرأ ايضا

التعليقات