RASSD TV

[فيديو][threecolumns]

سياسة

[سياسة][bsummary]

مجتمع

[مجتمع][bsummary]

المرأة

[المرأة][twocolumns]

مراسلاتكم

[مراسلاتكم][list]

حوادث

[حوادث][bleft]

صور

[صور][grids]

العدل والإحسان تصدر تقريرا سياسيا مفصلا لسنة 2016


رصد المغربية - الجماعة.نت
التقرير السياسي لسنة 2016
المقدم في الدورة العشرين للمجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان
تنعقد الدورة العشرون للمجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان ونحن في السنة الخامسة لانطلاق الموجة الأولى من الحراك الشعبي الذي رسم ملامح تغيير حقيقي وجدت فيه الإرادة الشعبية طوق نجاة من واقع الفساد والاستبداد، وتاقت فيه لكسر حاجز الخوف واليأس المفروضين من قبل الاستبداد عقودا طويلة، فرض فيها إرادة الزج بمغربنا في مستنقع الانحدار والانكفاء بدل خيار النهضة والنماء الذي ظل، للأسف الشديد، مجرد شعارات مخدرة ملازمة للخطابات الرسمية ووهما يكشفه واقع الفساد العام الذي يسحب البلد نحو القاع يوما بعد يوم.
ولم يدخر المخزن وسعا في إرباك المسار التغييري وخلخلة ميزان قواه كلما مال لصالح الإرادة الشعبية المصادرة من نظام يعرف الكل أن استمراره لا يرجع لقوته الذاتية التي تنكشف هشاشتها أمام كل تحرك مجتمعي، بقدر ما يعود إلى تشتت قوى المجتمع ودعم الاستكبار العالمي الذي يتخذ أنظمة الاستبداد رهائن يفتدون أنفسهم بتمكينه من مصالح ومقدرات الشعوب، في تناقض صارخ بين ما يعلنه المتحكمون في هذا "المنتظم الدولي" من إعلانات وعهود الديمقراطية والحقوق والحريات، وما يرتكبه أو يدعمه من انتهاكات في حق الشعوب المستضعفة. ويبقى أحدث شاهد على ذلك محاولة القوى العالمية المتغلبة بتواطؤ مع أنظمة الاستبداد العربية والإسلامية إشعال الحرائق في كل ما أزهر من ربيع الشعوب منذ سنة 2011، والإصرار على تحويله إلى خريف مخيف مثبط عن أي نهوض شعبي في المستقبل، وما هي في حقيقة الأمر إلا محاولات عبثية للوقوف ضد مجرى سنن الله في الكون والأمم والتاريخ والتي تعلمنا أن تنامي الظلم وتغول الظالمين إيذان بانهيار سلطانهم، أو ليس الظلم مؤذنا بالخراب؟!! بلى، إنها قاعدة صاغها ابن خلدون، وما شهد التاريخ ولو استثناء واحدا يشذ عن هذه القاعدة في كل العالم بله أن يكون الاستثناء في موطن ابن خلدون. فهل من معتبر؟
وهنا نذكر أنه يوم 4 فبراير 2011 نشر موقع جماعة العدل والإحسان افتتاحية بعنوان "قبل فوات الأوان" بثت نداء حارا للاستثمار الصادق لفرصة الحراك الذي بدت ملامحه يومها لتدارك ما يمكن تداركه.ولما خرج الشعب المغربي بكثافة بعد استفحال الاستبداد وتفشي الفساد قابله المخزن بحزمة وعود وشعارات تعلقت بها أماني البعض، وها هي خمس سنوات كانت كافية لكشف غياب مطلق لإرادة الاعتبار والإصرار بالمقابل على نهج الاستبداد بمجرد إحساس المخزن بتجاوزه عنق الزجاجة، وهذا ما يترتب عنه استشراء الفساد الذي يؤدي حتما إلى تفاقم الغليان الشعبي، ويكفي لتأكيد ذلك الاحتجاجات القوية لمختلف فئات المجتمع التي شهدتها هذه السنة خصوصا الأطباء وطلبة الطب والأساتذة المتدربون والاحتجاجات حول غلاء الأسعار وانتفاضة مدن الشمال ضد غلاء فواتير الماء والكهرباء والاحتجاج على فضيحة اتخاذ المغرب مطرحا لنفايات الخارج وانتهاء بالاحتجاجات ضد الحكرة إثر قتل الشهيد محسن فكري رحمه الله بالحسيمة، وغيرها من الاحتجاجات التي طالت مناطق وفئات متعددة ولم تأخذ نصيبها من التغطية الإعلامية مثل احتجاجات تنغير ضد الفساد في تدبير مناجم المنطقة.
كل هذا ترتب عنه استمرار التردي المرعب في كافة المستويات:
I- سياسيا: عرض سياسي دون طموح المغاربة
1. الانتخابات .. مقاطعة واعية وبلقنة متعمدة وتجاهل للإرادة الشعبية
شهدت هذه السنة الانتخابات التشريعية 7 أكتوبر 2016، التي شكلت مناسبة أخرى لإبراز التدافع القوي بين الإرادتين: إرادة الاستبداد وحماته التي تهدر الأموال الطائلة من قوت الشعب لمحاولة إشغاله بواجهة ديمقراطية لامعة في شكلياتها، فارغة من أي مضمون لأبسط مقتضيات الديمقراطية، محافظة على احتكار المخزن لأهم السلط وللثروة. وبين الإرادة الشعبية التي ارتقت بشكل كبير من العزوف التلقائي لانتخابات لم ير منها إلا الآثار السلبية منذ أول انتخابات بالمغرب منذ 1960، إلى مقاطعة بكثير من النضج والوعي بأثر هذا الموقف في عزل الخيار الرسمي وفرض الإرادة الشعبية.
في تفاعلها المبدئي والميداني مع هذه الانتخابات أصدرت الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان وثيقة بعنوان "رفعا للشرعية عن الفساد والاستبداد ورفضا لتزكية مؤسسات شكلية.. تدعو جماعة العدل والإحسان إلى مقاطعة انتخابات 7 أكتوبر"، كشفت فيها عدم جدوى انتخابات لا تفرز من يحكم بقدر ما تبرز للواجهة خداما جددا للحكام الحقيقيين غير المنتخبين، وأكدت فيها أن المؤسسات التي تفرزها الانتخابات لا تغير من واقع احتكار الملك لجل السلط الأساسية مع عدم الخضوع للمراقبة والمحاسبة ضربا لمطلب الشارع الذي أصر في حراكه الشعبي على ربط ممارسة السلطة بالخضوع للمحاسبة، وذكرت بأصل المعضلة المتمثل في ارتكاز الانتخابات على دستور ممنوح فاسد وضعا ومضمونا وإقرارا، وعددت فيها مكامن الخلل القانوني المفضي إلى الضبط المسبق للعملية الانتخابية لتنتج خارطة مبلقنة مشتتة يكون فيها المصنف أولا ضعيفا تحت رحمة وابتزاز تحالف موسع غير متجانس مما يعدم إرادة المصوتين ويرمي البرامج الانتخابية في سلة المهملات بنفس الاستهتار الذي تحرق به أوراق التصويت ليلة الاقتراع.
وقد بينت وقائع ما بعد يوم الاقتراع صحة قراءة جماعة العدل والإحسان حيث ظهر للجميع كيف يصبح الانتصار بطعم الهزيمة والهزيمة بطعم الانتصار.
وهنا نعيد تأكيد اقتناعنا الراسخ بعدم جدوى المدخل الانتخابي في ظل نظام سياسي مستبد لا تتجاوز الانتخابات في عرفه دور التسويق الخارجي وتزيين الواجهة للتغطية على واقع احتكار الملك أهم السلط التنفيذية والتشريعية والقضائية والأمنية والاقتصادية. ولعل الأشهر الثلاثة الأخيرة تظهر جليا الحكومة الفعلية الممسكة بكل الدواليب والمقررة في الشؤون الداخلية والخارجية السياسية والاقتصادية من غير رقيب ولا حسيب.
لكننا نسجل أن هذا الموقف لم يعد محصورا في جماعة العدل والإحسان، إنما أكدت الانتخابات الأخيرة تبنيه من غالبية الشعب المغربي الذي قاطع الانتخابات بما يقارب 80% ما يجعل المؤسسات الناتجة عن هذه الانتخابات هي مؤسسات أقلية قاصرة عن امتلاك الشرعية لذاتها وعن إضفائها على النظام.
وبهذه المناسبة، وبعد تسجيل احترامنا للأقلية المشاركة في الانتخابات، وإن كانت النتائج هي الحكم حول جدوى وصوابية كل خيار ولا نظن أحدا ينكر فضل حراك 2011 الذي حقق في أقل من سنة ما عجز عنه باقي الفرقاء في عقود ، فإننا نحيي غالبية الشعب المغربي على يقظته وموقفه التاريخي الذي يفتل في اتجاه عزل الخيار الرسمي السلطوي وتقوية جبهة الإرادة الشعبية المتنامية في تواز فعال بين الموقف السياسي الواعي وبين الحراك المجتمعي اللذين يضيقان المساحة على تمدد الاستبداد والفساد وعلى التلاعب بالإرادة الشعبية، ولعل من أبرز براهينها التأخر في تشكيل الحكومة حيث تستحضر في حروب التحالفات كل الاعتبارات إلا اعتبار إرادة المصوتين وما بيع لهم من وعود وأوهام وبرامج.
إن فشل الانتخابات فشل للعرض السياسي الرسمي، وإيذان بسقوط شعارات براقة رفعت لإخماد جذوة الانتفاضة الشعبية مثل "الاستثناء المغربي" و"التغيير في ظل الاستقرار" و"دستور الجيل الجديد من الدساتير"، وما أعقب هذه الشعارات من خطابات رسمية للملك تظهره أكثر معارضة من المعارضة، لكن سرعان ما انكشف زيف تلك الشعارات أمام تغول الاستبداد وقمع الحريات حتى بات القمع هو اللغة السائدة في الرد على المخالفين والغاضبين والمحتجين، وأمام الانتشار غير المسبوق للفساد بتوسع مساحة الريع السياسي والاقتصادي، ولعل خير مثال فضيحة امتيازات خدام الدولة وأجور وتقاعد كبار المسؤولين والوزراء والبرلمانيين والمقالع والمأذونيات، وأمام استمرار مشاريع الملك ومحيطه في حصد أرقام فلكية تتصدر لائحة الأغنياء محليا وإقليميا وقاريا في وقت تتوسع خارطة الفقر في صفوف الشعب وتزداد نسبة البطالة وتطوق رقبة البلد بأصفاد المديونية، وأمام رفع الحكومة الراية البيضاء أمام أبسط مظاهر الفساد.
ولهذا لم يكن مستغربا التدحرج من مستوى الشعارات الكبيرة إلى شعارات لا تتجاوز الهامش الضيق، فلا غرابة أن يتحول شعار محاربة الفساد والاستبداد إلى شعار عفا الله عما سلف، ثم الرضى بمجرد تأويل وتنزيل ديمقراطي للدستور بدل المطالبة بدستور ديمقراطي.
وما هذا إلا هروب عبثي من الحقيقة الكاشفة الفاضحة ألا ديمقراطية ممكنة من رحم الاستبداد الذي تطفح به معظم مواد الدستور المكتوب والأعراف فوق دستورية وواقع الحال الذي لا يشكل فيه الدستور أكثر من تميمة للتبرك.
2- الوضع الحقوقي.. سيادة الحكرة واستمرار انتهاك الكرامة والحرية
عاشت البلاد هذه السنة، وكما كانت دوما، أجواء من الإمعان في الانتهاكات الحقوقية سجلتها العديد من التقارير الحقوقية الوطنية والدولية ووثقتها مواقع التواصل الاجتماعي بالصوت والصورة.
فعلى مستوى الحقوق الاقتصادية تواصل الإجهاز على القدرة الشرائية للمواطن عبر الزيادات في الأسعار، ورفع ثمن المحروقات رغم انخفاضها في السوق العالمية وانكشاف ألعوبة نظام المقايسة ، مما يشكل تناقضا صارخا لالتزامات الدولة حين رفعت يدها عن دعم هذه المادة الأساسية في الاقتصاد المغربي. وارتفعت فواتير الماء والكهرباء في تلاعب مفضوح تستفيد منه الشركات والمؤسسات المدبرة لتوزيع هاتين المادتين الأساسيتين، وقد كشفت تقارير مؤسسات رسمية حجم الفساد الذي ينخر هذا القطاع من تهريب للعملة وتهرب ضريبي وإخلال بدفاتر التحملات رغم أن تلك التقارير لم تكشف إلا جزءا من الحقيقة تحت الضغط الشعبي، مما دفع الشعب المغربي للاحتجاج في العديد من مناطق المغرب. وظلت الأجور راكدة غير مواكبه لهذه الزيادات، بل طالتها يد الدولة اقتطاعا، وانخفضت وتيرة التوظيف والتشغيل لتتفاقم البطالة في صفوف الشباب، واستمر اقتصاد الريع في نهب خيرات البلاد من قبل الحكام والخدام.
وعلى مستوى الحق في الرأي والتعبير يواصل المخزن حصاره للمعارضين لسياساته بمختلف توجهاتهم ومنعهم من الإعلام العمومي ومن الفضاءات العمومية، وهي مرافق تمول من جيوب دافعي الضرائب وضمنهم أبناء جماعة العدل والإحسان. ويحاكم المعارضون من الإعلاميين والأكاديميين ويضطهدون (المعطي منجب ومن معه، حميد المهداوي، علي أنوزلا، علي المرابط، محمد الهيني، مصطفى الحسناوي، مراد زعبك....) ويمنع الفنانون ويحاصرون (رشيد غلام، بزيز...). كما شنت هذه السنة أكبر حملة حجب حسابات المواقع الاجتماعية ضد أصحاب الرأي، وقابلتها الحكومة والقضاء بتجاهل شكايات مئات المتضررين.
وأما حقوق الجمعيات، فرغم الأحكام القضائية التي كانت لصالح بعض الجمعيات المضطهدة، فالتعليمات تواصل فرض الحظر العملي عليها بسبب الانتماءات السياسية لأعضائها. فحتى جمعيات آباء وأولياء أمور التلاميذ يمنع منها أعضاء الجماعة. ومن النماذج البارزة في الحيف ضد الجمعيات ما تعانيه منظمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب من استمرار الحظر عليها وحصارها وانتهاء بعزم المخزن على مصادرة مقرها المركزي التاريخي بالرباط.
وفي ظل غياب العدالة، وغياب قضاء نزيه ومستقل يطارد الآلاف من أعضاء الجماعة بغرامات غير قانونية وتنفذ فيهم مسطرة الإكراه البدني جراء اجتماعهم في بيوتهم لقراءة القرآن الكريم بعدما منعوا من المساجد والجمعيات والفضاءات العمومية والمقرات الخاصة، ومنعوا من حق التخييم ومن الاعتكاف في المساجد خلال شهر رمضان... فلاحقتهم السلطات داخل بيوتهم بتهمة تجمعات غير مرخص لها.
أما جديد البيوت المشمعة لأعضاء العدل والإحسان هذه السنة فيتمثل في عجز الحكومة عن فعل أدنى شيء في الملف غير تزكية الوضع القائم، واستخفاف الدولة بعمل المجلس الوطني لحقوق الإنسان، رغم كل ما يسجل عليه من انتقائية وتبييض وجه المخزن، حيث راسل رئيس الحكومة ووزير العدل ووزير الداخلية بعدما راسلتهم اللجنة الوطنية للتضامن مع أرباب البيوت المشمعة التي تضم في صفوفها نخبة من الحقوقيين والأكاديميين والإعلاميين. وقد راسلت اللجنة نفس الوزارات التي راسلها المجلس الوطني لحقوق الإنسان وسبق لمنظمة هيومن رايتس ووتش أن راسلت الدولة المغربية في هذه القضية لكن الأجوبة متهافتة تنم عن بعد المخاطب عن دولة الحق والقانون، وقربه من فعل المليشيات والعصابات.
أما عن الاعتقال السياسي التعسفي فإن قضية الأخ عمر محب، عضو جماعة العدل والإحسان، تعد نموذجا واضحا لتورط القضاء في إصدار أحكام جائرة غابت عنها شروط المحاكمة العادلة، لتبقى محاكمة سياسية واضحة في سياق التضييق على جماعة العدل والإحسان والضغط عليها.
كما يبقى من أبرز ملفات الاعتقال السياسي قضايا معتقلي التيار السلفي، ولحد الساعة لم تتم مراجعة الكثير من هذه القضايا رغم الاعتراف الملكي بالأخطاء التي شابت هذه المحاكمات. ثم ملف من بقوا من قضية بلعيرج.
وتبقى قضية الشهيد كمال عماري عنوانا بارزا لانتهاك حقوق الإنسان وغياب العدالة والإفلات من العقاب عن جريمة اغتياله من قبل القوات العمومية بشهادة المجلس الوطني لحقوق الإنسان والعديد من المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية. ثم انضاف ملف الشهيد محسن فكري ليؤكد منهجية الحكرة والتصفية وامتهان كرامة المواطن ثم الإصرار على تقديم أكباش الفداء بدل المتورطين الحقيقيين لامتصاص الاحتجاج الشعبي.
إنه وضع حقوقي يزداد سوءا في ظل استحكام الاستبداد الذي يغذيه التعثر الحاصل في إصلاح منظومة العدالة الذي ظل يراوح مكانه مدة ناهزت خمس سنوات، وما يزال إلى حد الآن – على علاته - حبيس الرفوف، مما يجعل هذا القطاع يعاني أمراضا مزمنة وأعطابا كابحة تحول دون تحقيق الأمن القضائي للمواطنين.
وستظل جماعة العدل والإحسان، إلى جنب كل الفضلاء، منخرطة في كل هذه القضايا، جاعلة إياها ضمن أولوياتها، ومساهمة في تقوية الوعي العام بها، في أفق استعادة القضاء استقلاله ورد الاعتبار والإنصاف لذوي الحقوق وكشف الحقيقة بشأن هذه الملفات.
3. المجال الديبلوماسي.. احتكار ملكي وأداء مؤسسي هزيل وتراكم الإخفاق
من المسلمات التي لا يماري فيها عارف بأحوال المغرب أن مجال تدبير العلاقات الخارجية للبلد مجال محتكر بالكامل من قبل المؤسسة الملكية ولا يسمح للفاعلين السياسيين من خارج هذه المؤسسة بلعب دور مستقل أو التدخل في هذا الشأن دون إذن أو تعليمات من الفاعل الحقيقي. وهذا تقليد ترسخ في الممارسة السياسية المغربية وصار من الأعراف الثابتة التي لا يسمح لأي كان بتغييرها أو المطالبة بتعديلها. وقد أفرز هذا الاحتكار الملكي لمجال العلاقات الخارجية والديبلوماسية غياب استراتيجية واضحة للتعاطي مع مختلف القضايا المرتبطة بالعالم مما جعل الديبلوماسية المغربية غارقة في الارتباك والارتجال نتج عنها مراكمة الكثير من أصناف الفشل في تدبير القضايا الاستراتيجية للوطن وفي مقدمتها قضية الصحراء. يضاف إليه تهميش الأدوار الطلائعية التي يمكن أن تقوم بها المؤسسات الأخرى في الدولة والمجتمع لخدمة مصالح البلد، حيث تحولت تلك الهيئات إلى تابع منفذ للتعليمات الفوقية دون امتلاك القدرة على التحرر منها وإن بدت، للجميع، في معظمها اختيارات خاطئة. ولم تكن سنة 2016 استثناء في الباب إذ استمر فيها النهج التدبيري نفسه بالأخطاء والنتائج نفسها. وقد أفصح التعاطي الرسمي مع الأحداث التي وقعت خلال هذا العام نموذجا للطابع العام الذي طبع الأداء الديبلوماسي للمغرب منذ عقود. وسنقتصر في هذا التقرير على حدثين بارزين يعبران بشكل لافت عما قدمناه:
الحدث الأول يرتبط بشكل مباشر بقضية الصحراء. فقد سجلت هذه السنة انعطافة خطيرة في الملف أثارت زوبعة كبيرة داخل المغرب وخارجه حيث كشفت الزيارة التي قام بها الأمين العام للأمم المتحدة للصحراء والتصريحات التي أدلى بها خلالها، واعتبرت مستفزة للمغرب، مدى هشاشة الديبلوماسية المغربية. ففضلا عن البطء في التعامل مع الحدث تم اللجوء من قبل النظام المغربي لأسلوب التهريج والتهييج للرد على تلك الزيارة والتصريحات حيث تم تجييش المغاربة للخروج في مظاهرات ضد الأمين العام للأمم المتحدة وإثارة حملة دعاية مضادة له مما انعكس سلبا ضد المغرب وحشره في عزلة قاتلة. وهذا ما ينبئ عن عجز النظام المغربي وعدم قدرته على التعاطي الاستراتيجي مع مثل تلك المواقف المستفزة واحتوائها والتركيز على التعبئة الداخلية والخارجية الفعالة لتهميشها والحد من عواقبها وامتداداتها.
أما الحدث الثاني الذي يؤكد مصداقية تقييمنا للديبلوماسية المغربية، فهو قرار المغرب بالعودة إلى مؤسسات الاتحاد الافريقي بعد طول غياب دام 32 سنة منذ غادره احتجاجا على قبول عضوية البوليزاريو في شتنبر سنة 1984. فكما كان قرار المغادرة ملكيا، اتخذه الحسن الثاني، صدر القرار بالعودة إلى هذه المؤسسة عن الملك أيضا. ولم يكن هذا القرار المفاجئ محط نقاش عام داخل المجتمع أو في صفوف الطبقة السياسية أو داخل المؤسسة التشريعية ولم يساهم أي فاعل سياسي مستقل في بلورته. كما لم يقدم النظام المغربي أي توضيحات بشأن استراتيجية إعادة الانخراط في الاتحاد الأفريقي والمكاسب من هذه الخطوة. وهذا ما يفتح الباب للكثير من الدهشة والتكهنات عن الدوافع الحقيقية وراء مثل هذه الخطوة التي قررها النظام وباشرتها أجهزته دون استشارة شعبية أو مؤسسية. فما الذي تغير في مواقف الاتحاد الأفريقي تجاه قضية الصحراء لتجعل المخزن مصرا على المضي في الرجوع للانخراط في مؤسساته؟ ما هي عناصر الاستراتيجية المغربية التي تؤطر خطوة فجائية كهذه؟ تساؤلات مشروعة تقتضي مصارحة من قبل المخزن للشعب بصددها.
II- اقتصاديا واجتماعيا: إفقار الفقير
1. سياسات مجحفة ومؤشرات مقلقة واحتجاجات متصاعدة
عرف المغرب خلال سنة 2016 تراكم عدد من الملفات الاجتماعية الأساسية التي واكبت مرحلة ما بعد حراك 2011، والتي تم تدبيرها بمنطقين متناقضين: منطق "عفا الله عما سلف" بالنسبة للمتسببين الحقيقيين في الإفلاس الذي خلفته سنوات سوء التدبير ونهب الصناديق وسيادة الريع وبمنطق "ليس بالإمكان أكثر مما كان" بالنسبة لعموم المواطنين الذين تحملوا رغما عنهم مسؤولية ما أفسده غيرهم عبر التضحية بحاجاتهم الاجتماعية الملحة.
وهو الأمر الذي تؤكده التقارير الوطنية والدولية الصادرة خلال سنوات ما بعد الحراك، التي تظهر المغرب في صورة قاتمة أو داكنة في أحسن الأحوال. فرغم محاولة النظام تلميع المشهد السياسي وترصيع الأداء الاقتصادي، فالتقارير والواقع لا يحابيان ولا يدعان مجالا للمساحيق، فقد تحدثت كثير من التقارير عن سقوط المغرب في بعض المراتب التي لم يكن أحد يتوقعها حتى من طرف صناع القرار السياسي.
وهكذا ما زال المغرب يقبع في المركز 126 ضمن 188 دولة حسب مؤشر التنمية الدولي لسنة 2015، واحتل المرتبة 98 من بين 130 بلدا في مؤشر الرأسمال البشري العالمي لسنة 2016 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي .
كما صنف المغرب ضمن 30 بلدا الأقل استثمارا في تطوير مهارات المواطنين والأقل دعما للمواهب، مما يعني فشل ما يسمى بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية وما يرصد لها من أموال طائلة من المال العام.
وبحسب ما كشف عنه مسح أجرته "المؤسسة العربية لضمان استمرار وائتمان الصادرات" حول مستوى الدخل الفردي، بوأت المغرب المرتبة 13 من أصل 19دولة شملتها الدراسة، وبالتالي فإن المغرب يعد من أكثر البلدان تدنيا للدخل على مستوى شمال أفريقيا والشرق الأوسط.
وتبعا لذلك أورد تقرير التنمية البشرية بإفريقيا لسنة 2016 الذي يعده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن نسبة الفقر المتعدد الجوانب بلغت 15,6%، أي أكثر من 5 ملايين من المغاربة، أما نسبة المغاربة الموجودين في وضعية فقر متعدد الجوانب مع شدة الحرمان فتبلغ 44,3%. وهذا الواقع البئيس اعترف به المسؤولون المغاربة أنفسهم خصوصا خطاب الملك الذي حدد قاعدة الفقراء في 12 مليون في القرى وحدها وخصص لبرنامج دعم العالم القروي 55,8 مليار درهم لم تظهر لها آثار حتى الآن.
والحديث عن الفقر يحيل مباشرة على طامة البطالة التي فاقت نسبتها 9% وتقترب أحيانا من 10% كما حدث في النصف الأول من 2016، وهي نسبة مهولة مجمدة لأوضاع نسبة كبيرة من المواطنين وذلك خلافا لكل الوعود المقدمة في البرنامج الحكومي وخطب الملك. ويزيد الأمر سوءا أن نسبة البطالة في صفوف الشباب المتراوحة أعمارهم ما بين 15 و24 سنة ارتفعت من 20,5% إلى 21,5% ولدى النساء من 9% إلى 9,9%، وقد ارتفع هذا المعدل كذلك ضمن خريجي المعاهد والمدارس العليا إلى 9,1%.
والأدهى أنه رغم حجم المعاناة اليومية للأسر المغربية مع أساسيات قفة العيش فإن الحكومة أصرت على رفع الدعم عن صندوق المقاصة الذي لا يمكن لأحد إنكار أنه، قبل حذفه، كان غير ناجع، وغير عادل، وجد مكلف، كما ساهم في تفاقم عجز الميزانية، لكن عوض اللجوء إلى إعادة هيكلته وإصلاحه وفق التجارب الدولية الرائدة في هذا المجال، أقدمت الحكومة على حذفه دون تعويضه بنظام آخر أكثر نجاعة وديمومة، ولم يتم الوفاء بوعد إعادة توجيه ما تم اقتصاده من الدعم إلى إنعاش الاستثمار، في الوقت الذي نجد أن مجموع النفقات المتعلقة بالاستثمار برسم سنة 2015 مثلا تم تمويلها كليا باللجوء إلى الدين مما يطرح سؤالا كبيرا عن مصير الملايير الموفرة من مخصصات دعم صندوق المقاصة. ثم إن الحديث عن الدعم المباشر باستهداف الفئات المعنية يصعب التسليم به بالمغرب، نظرا لاحتكار المخزن للمعلومة حول خريطة الفقر، فضلا عن تغول منظومة الفساد واستئثار البيروقراطية بالقرار السياسي والاقتصادي. كما أن نظام المقايسة بقي حبرا على ورق أمام انخفاض سعر النفط دوليا وعدم مقابلته بخفضه محليا.
وتفسير كل هذا الارتباك نجده واضحا في قلب الأولويات حيث اختارت الحكومة الإجراءات السهلة المستهدفة للمواطن عوض أولوية تفعيل الإجراءات الحقيقية والكبرى المتمثلة في وقف الريع ومحاربة أبواب الفساد الكبيرة ومنع تهريب الأموال للخارج وتضريب الثروة ووقف نزيف الميزانية العامة الذي تحدثه المصاريف الباذخة للقصر وأجور وريع المناصب العليا... وبهذا الإجراء السهل العاجز تكون الحكومة قد اختارت أقصر طريق لتحقيق توازن المالية العمومية بوضع يدها في جيوب المواطنين دون الاكتراث بميزانية المواطن التي يعتبر الإخلال بها أكبر تهديد للاستقرار وفتحا للمغرب على كل ما لا يتوقع من ردات الفعل عاجلا أو آجلا.
إن هذه الأرقام هي تعبير عن وضع ينذر بالقلق بحيث لم تعرف أهم مؤشرات التنمية تحسنا ملموسا بل سجلت في أغلب الأحيان تراجعا خطيرا على مستوى المكتسبات الاجتماعية كنظام المعاشات وصندوق المقاصة وتحرير الأسعار، في مقابل النفخ في الميزانيات المخصصة للأمن، والتسويغ للإعفاء الضريبي الذي تستفيد منه الفئات الميسورة أربع مرات أكثر من الشرائح الاجتماعية الفقيرة، على الرغم من أن هذه الإعفاءات تسن من أجل دعم الفئات الاجتماعية محدودة الدخل أو لدعم الاستثمار لكن الإعفاءات كما هي معتمدة بالمغرب تحيد عن هذه الغايات .
كل هذا وغيره من مظاهر الفساد الذي يعشش في مجالات عدة يساهم بشكل غير مباشر في التشجيع على نهب المال العام الذي يعد من الأسباب الرئيسية في تدني نسبة النمو التي يتوقع ألا تتجاوز هذه السنة نسبة 1,2%، إنه رقم يقول كل شيء ويغني عن كل تحليل وتفسير وتبرير، ومن أبرز التبريرات التي تقدمها الحكومة تسويقها للانخفاض المسجل في نسبة عجز الميزانية إلى 4,3%، لكن ما يتم إخفاؤه أن هذا الانخفاض لم يكن نتيجة لسياسة موازناتية تهدف إلى تغيير بنية ميزانية الدولة، وإنما يعزى إلى إجراءات ظرفية وغير بنيوية، منها: رفع دعم أسعار المواد البترولية، خفض نفقات الاستثمار، هبات دول الخليج التي وصلت إلى 11 مليار درهم سنة 2014 (5 مليار دولار خلال الولاية)، ثم المداخيل الضريبية الاستثنائية ومداخيل الخوصصة.
وللأسف الشديد قابلت الحكومة كل هذا بإغراق المغرب في المديونية بحيث بلغ حجم الدين العمومي الإجمالي، حسب المؤشرات الرسمية التي جاءت في عرض رئيس المجلس الأعلى للحسابات أمام البرلمان بتاريخ 04 ماي 2016، مع تسجيل التحفظ على الإحصائيات الرسمية التي تنحو نحو تجميل الوضعية والتخفيف من حدة الأرقام، فقد بلغ حجم الدين العمومي الإجمالي 807 مليار درهم نهاية 2015، ممثلا بذلك حوالي 81,3% من الناتج الداخلي الخام.
ومن المهم هنا تتبع نسب تطور المديونية خلال الفترة 2011-2015 حيث ارتفع دين الخزينة بحوالي 46%، والدين العمومي الخارجي بحوالي 59,3%، والدين العمومي الإجمالي بحوالي 51,2%. وتجدر الإشارة هنا إلى تناقض صارخ يتمثل في توجه الدولة، خلال هذه الفترة نفسها، للاستقالة من مهامها بشكل رهيب، ورفعت يدها عن قطاعات مهمة مرتبطة أساسا بعيش المغاربة ومستقبلهم كالتعليم والصحة ودعم المواد الأساسية وغيرها.
إن الالتجاء إلى الاستدانة، مع ما يمكن أن تحدثه من رهن القرار الوطني للمانحين، لن يزيد بالتأكيد إلا في تأزيم الأوضاع وتعميق الاختلالات التي تنعكس بالأساس في الارتفاع المستمر للأسعار وفي ضرب القدرة الشرائية لفئات واسعة خاصة الطبقات الفقيرة والمتوسطة فضلا عن تدني بل تهاوي الخدمات الأساسية خاصة الصحة والتعليم.
فوضعية الصحة في المغرب هذه السنة لم تشكل استثناءً، على اعتبار أن هذا القطاع يعرف كغيره مشاكل مزمنة يتصدرها غياب إرادة سياسية للنهوض بالقطاع إلى جانب الاختلالات الكبيرة على مستوى تدبير الموارد البشرية، إذ يعرف القطاع خصاصا كبيرا في الأطر الطبية والتمريضية وخصاصا مهولا في الأجهزة والبنية التحتية، الأمر الذي يؤكد أن الدولة تبتعد سنة بعد أخرى عن التزاماتها تجاه هذا الحق باعتباره حقا أساسيا لكل مواطن، بل تسير في اتجاه ضرب هذا الحق من خلال القوانين التي تسن والاتفاقيات التي توقع والاعتمادات الهزيلة التي تخصص، وبالسير نحو الإجهاز على المؤسسات الصحية العمومية بإفراغها من الأطر الصحية بفتح الباب على مصراعيه للخصخصة والتخلص من القطاعات الاجتماعية، وأيضا من خلال تراجع دعم الدولة لصندوق التغطية الصحية في واقع يشهد ضعف القدرة الشرائية لعموم المواطنين، إضافة إلى السياسة الدوائية التي شهدت تحايلا كبيرا كشف أنه قرار فارغ مما روج له.
ولا يفوتنا في هذا الصدد التذكير بالمعركة النضالية التي خاضها الطلبة الأطباء عبر التنسيقية الوطنية لطلبة كليات الطب بالمغرب التي خاضت برنامجا نضاليا كبيرا لاقى دعما مجتمعيا واسعا، ضمنه طبعا دعم القطاع النقابي لجماعة العدل والإحسان خصوصا منه قطاع الصحة ثم الفصيل الطلابي للجماعة، حيث انتهت المعركة العادلة بتوقيع محضر مع الوزارة الوصية تلتزم فيه بتحقيق مطالب الأطباء وطلبة الطب المحتجين، وهو ما نأمل أن يتم الالتزام بمخرجاته إنصافا لهذا القطاع الحيوي الذي يعتبر النهوض به مدخلا أساسيا للنهوض بالصحة العامة لأبناء الشعب.
في المحصلة نجد أن الدولة تصر على نهجها المتسم بالتخلي عن الدور الاجتماعي المنوط بها تجاه فئات الشعب المغربي، لاسيما الطبقات الفقيرة والمتوسطة؛ وذلك عبر اتخاذ العديد من القرارات والإجراءات التقشفية التي أضعفت القدرة الشرائية للمواطن المغربي، في الوقت الذي برهنت فيه الحكومة على نجابة في تنفيذ إملاءات المؤسسات المالية الدولية التي توصي بضرورة إعطاء الأولوية للتوازنات المالية على حساب التوازنات الاجتماعية، وتخفيض كتلة الأجور، وإجراء "إصلاحات مستعجلة" لصناديق الحماية الاجتماعية وعلى رأسها الصندوق المغربي للتقاعد، وغيرها. وهي قرارات، في غياب نجاعتها وكينونتها ضمن إصلاحات سياسية واقتصادية شاملة وجذرية، لا تؤدي إلا لتزايد حدة الاحتقان الاجتماعي.
وبالموازاة مع هذا تشبثت الدولة بالمقاربة الانفرادية في معالجة الملفات الاقتصادية والاجتماعية بعيدا عن آليات الحوار الاجتماعي في العديد من الملفات التي كانت تقتضي إعمال المقاربة التشاركية، وعلى رأسها تمرير ملف التقاعد رغم رفض النقابات ومطالبتها بضرورة إرجاعه إلى طاولة الحوار الاجتماعي. ثم عزمها على تمرير القانون التنظيمي للإضراب وقانون النقابات بالمنهجية نفسها بعد المصادقة على مشروعيهما في المجلس الوزاري قبيل الانتخابات التشريعية الأخيرة.
وهذا ما يرفع من الحاجة الملحة للمدافعة المجتمعية للسياسات الرسمية المجحفة، لكننا نسجل، بكل حسرة، فقدان الجسم النقابي القدرة على قيادة النضال حول الملفات النقابية المطلبية الكبرى والحارقة (ملف التقاعد نموذجا)، مما دفع إلى تنامي التوجه نحو الاحتجاج في إطار تنسيقيات وطنية مستقلة عن الإطارات النقابية التقليدية.
وقد كان القطاع النقابي للعدل والإحسان والفئات المنضوية تحته ومناضلوه حاضرين وسط مختلف أشكال التعبير المجتمعي ابتداء بالمشاركة في المسيرة الوطنية العمالية بالبيضاء يوم 29 نوفمبر 2015، ثم الإضراب في الوظيفة العمومية يوم 10 دجنبر 2015 مصحوبا بوقفة احتجاجية أمام البرلمان، ثم الوقفة الاحتجاجية يوم 12 يناير 2016، وبعدها تنظيم إضراب عام في الوظيفة العمومية يوم 24 فبراير 2016، ثم الوقفة الاحتجاجية أمام البرلمان يوم 30 مارس 2016، وبعد ذلك المشاركة في الإضراب العام الرابع يوم 21 ماي 2016 وفي المسيرات والاعتصامات الليلية بالمدن والجهات طيلة شهر رمضان، والوقفات أمام البرلمان بالموازاة مع اجتماعات اللجنة البرلمانية وانعقاد الجلسة العامة. ثم المشاركة في مسيرتي الرباط يوم 24 يوليوز 2016 ويوم 2 أكتوبر 2016 ضد قانون التقاعد.
وفي خضم حضوره الميداني، استمر القطاع النقابي للعدل والإحسان في بعث نداءاته إلى ملحاحية تشكيل جبهة نقابية موحدة باعتبارها مدخلا مهما لتجاوز أزمة العمل النقابي في المغرب، ولتأهيله للقيام بالأدوار النضالية والمجتمعية المنوطة به. والتنبيه إلى مآل الانفجار المحتوم إذا ما استمرت الأوضاع على ما هي عليه من انحباس، ويكفي هنا التذكير بتصريح سابق لرئيس «المجلس الوطني لحقوق الإنسان»‏ قال فيه إن المغاربة خرجوا في 16 ألف مظاهرة واحتجاج خلال العامين ‏2014 و2015، ورغم علمنا بمراد النظام من مثل هذه التصريحات أن يسوق صورة مزيفة عن حقوق الإنسان في المغرب، لكنه لا يقدر حجم ما تحمله هذه المعطيات من مخاطر واضحة تنبئ عن حجم الاحتقان المتصاعد مع تصاعد قبضة الاستبداد وتفشي الفساد مما يفتح بلدنا على الانفجار غير المعلوم توقيته وشكله وحجمه ومداه.
2. التعليم.. ترسيم الفشل واستهداف الهوية
خلال الفترة التي يغطيها هذا التقرير طفا على السطح أثر التدبير الاستبدادي لمنظومة التربية والتكوين في شكل كم هائل من الوثائق "الإصلاحية" وعدد من "التدابير ذات الأولوية" تزعم لنفسها التأسيس لرؤية "استراتيجية" وتتغنى بالشعارات ذاتها التي عنونت مسلسل "الإصلاحات" السابقة الكارثية المتشابهة مصدرا ومصيرا.
وعلى الرغم من إقرار مجموع هذا الركام الوثائقي بغياب التصور الواضح لما يراد بالمدرسة المغربية، وبفقدان ثقة المجتمع في المنظومة التعليمية، وبتدهور الوظائف الأخلاقية للمؤسسة التعليمية، على الرغم من هذا فإن داء الاستبداد منع من الاعتراف بالمسؤول عن هذه الحقائق الفظيعة لصالح انتهاج المقاربة التقنية الشكلية التي سلكت المسالك نفسها في تدبير القطاع سواء على مستوى التصور الذي يزداد توجها نحو التخلص من أعباء التعليم العمومي أم على مستوى الآليات التنفيذية التي أغرقت المجال بإجراءات متسرعة لا تنتج غير تدوير الأزمة وتمطيطها في الزمن.
فعلى إيقاع الاكتظاظ والخصاص المهول في الأطر التربوية والتعليمية افتتح الموسم الدراسي لسنة 2016 مما زاد في تكريس عدم الثقة في المدرسة المغربية، خصوصا مع توالي صدور التقارير الدولية والوطنية التي تناغمت في توصيف واقع منظومة التربية والتكوين ببلادنا بالفشل العام والوصول، بلا خلاف، إلى وضعية الكارثة الوطنية، حيث الفشل الذريع لكل السياسات والمخططات والبرامج العادية والاستعجالية الملكية والحكومية والمجالس واللجان والمؤتمرات والمناظرات والميزانيات والقروض والمنح والهبات، كل هذا ونسبة التمدرس ما تزال ضعيفة، كما أن معدلات الهدر في ارتفاع حاد سنة بعد أخرى.
ومما زاد الطين بلة إصرار غريب من قبل الحكومة على فصل التوظيف عن التكوين في مجال التعليم الذي يعرف خصاصا مهولا لجأت الدولة لسده بقرار التوظيف بالتعاقد وهو قرار مضطرب مناقض لمبررات قرار فصل التوظيف عن التكوين خصوصا مبرر ضمان الجودة.
وهذا ما قابلته أسرة التعليم بالكثير من الاحتجاجات غير المسبوقة كان أبرزها المعركة البطولية للأساتذة المتدربين التي شهدت إجماعا وطنيا على احتضانها ودعهما، وقد كان قطاع التربية والتكوين للجماعة في طليعة الداعمين والمشاركين في المسيرات الوطنية والمحلية، كما كان للهيئة الحقوقية للجماعة دورها البارز في الوقوف ضد القمع الشرس الذي واجهت به الدولة احتجاجات الأساتذة المتدربين التي توجت بانتزاعهم لمطالبهم من خلال محضر مشترك مع الحكومة وفاعلين مجتمعيين ونقابيين، مما خفف الاحتقان لكن لم ينهه كليا أمام تلكؤ الحكومة في الالتزام بمقتضيات الاتفاق.
ويبقى من أبرز مظاهر استهداف المنظومة التعليمية مراجعة ما سمي ب"التربية الدينية" بدعوى التجديد والتطوير والتحديث في خطوة غير مسبوقة ولا مدروسة أثارت ردود فعل مجتمعية تسائل الخلفيات المتحكمة والمفاهيم المعتمدة والنتائج المستهدفة والتي لا يفهم منها سوى إلقاء اللائمة على التربية الإسلامية، وإن من طرف خفي، لتبدو وكأنها المسؤول عن آفات التصدع القيمي المنتجة لمظاهر التطرف و سلوكات العنف. والحق أنه، على الرغم من التغليف التربوي لمسألة إعادة تنقيح مناهج التربية الدينية، فإن قصر هذا التنقيح على التربية الإسلامية دون باقي المواد الدراسية، ولمز الخطاب الرسمي للوضع الاعتباري للغة العربية، وتنامي الجرأة على استهداف القيم الأصيلة للمجتمع المغربي في الفضاء العام، والدعوة لاستعمال الدارجة في التعليم، كلها مؤشرات تجعل من هذه الدعوى لتجديد منهاج التربية الدينية محفوفة بكثير من الشبهات التي لا تعني في مجموع سياقاتها تلك سوى المقامرة باللحمة الجامعة للمجتمع باستهداف الهوية الإسلامية المتأصلة.
هذا الاستهداف لقيم الشعب المغربي لا يمكن فصله عن مواصلة الدولة هيمنتها على تدبير الشأن الديني برمته سواء من خلال الفساد في تدبير الحج أو احتكار الوعظ والإرشاد داخل المغرب وخارجه، واحتكار الفتوى وإصدار بعض الفتاوي الغريبة التي تعكس سيطرة الفقه الموروث عن عصور الانحطاط والعض والجبر، وتوظيف خطبة الجمعة في الصراع السياسي لصالح المخزن.
إن أهم ما يمكننا استخلاصه، ودعوة الجميع لاستخلاصه مما تقدم، هو أن التعليم لن يوضع على السكة السليمة إن ظل أسير فكي الاستبداد ورهن قبضة الإملاءات. إنما نداوي جراح تعليمنا يوم يستقل عن التدبير الفردي المخزني ليكون قضية الشعب كله، ويوم نمتلك قرارنا التربوي ليستجيب لحاجياتنا الحقيقية. وسبيل ذلك أن يسارع كل من تتفطر كبده لواقع تعليمنا من الفضلاء والخبراء لبناء جبهة وطنية حوارية لإعادة بناء الهيكل التعليمي على أسس المشاركة الواسعة للشعب على أرضية وضوح المشروع المجتمعي المنسجم والمتكامل بعيدا عن مزايدات السياسة التسلطية والإجراءات المضطربة.
3. المرأة المغربية: أزمة متجددة وحلول مؤجلة
إن هذه السنة كسابقاتها، أكدت بما لا يدع مجالا للشك أن واقع النساء المغربيات لم يبرح بعد مكان الهشاشة والهامشية، طالما أن المغرب مصر على إعادة إنتاج الأعطاب والاختلالات بدل البحث عن حلول جذرية تتجاوز المقاربات الترقيعية المرتهنة للإملاءات الدولية والمفتقدة للإرادة الحقيقية والخطة الشمولية.
إن وضعية النساء المغربيات التي تنطق بها لغة الأرقام والإحصاءات ولا تخطئها عين المراقب؛ تعكس حجم الإخفاقات التي ما عاد ينفع معها تلميع الخطابات وتمويه الشعارات: فنسبة الأمية مازالت مرتفعة بشكل مرعب ومرشحة للاستمرار في ظل نزيف الهدر المدرسي الذي يغذيه فشل السياسات التعليمية والإجهاز على المدرسة العمومية، ووتيرة العنف ضد النساء بجميع أشكاله في تصاعد مستمر؛ حيث رسم التقرير السنوي الأول للمرصد الوطني للعنف ضد النساء لسنة 2015 صورة قاتمة حول وضعية المرأة في المغرب، وما تتعرض له من انتهاكات على مستوى العنف الجسدي الذي تعاني منه أكثر من 63 في المائة من المغربيات، والعنف الجنسي الذي ما عاد يفرق بين طفلة وعجوز، والعنف الاقتصادي الذي يسوق عددا من النساء إلى مهاوي الفساد والانحراف. ظاهرة مرضية تشجعها ثقافة الصمت حول الموضوع ومناخ الإفلات من العقاب الذي يساهم في التطبيع مع الظاهرة والتشجيع عليها.
أما حق الأمومة فأصبح كابوسا يتهدد النساء المغربيات أمام الاختلالات الكبيرة التي يعرفها قطاع الصحة وفي غياب الخدمات الصحية التي تحفظ الكرامة الآدمية، مما يبقي معدل وفيات الأمهات في ارتفاع كبير. واقع يجعلنا نتساءل عن جدوى إثارة موضوع الاجهاض وإفراده بالنقاش أمام تفاقم معضلة الصحة الإنجابية ووفيات الأمهات والأطفال لغياب شروط الرعاية الصحية الضرورية.
زد على ذلك تنامي مقلق للعديد من الظواهر الاجتماعية الخطيرة التي تلقي بظلالها على واقع المرأة، حيث التزايد الكبير في مظاهر الفقر والبطالة وارتفاع في معدلات الجريمة على أساس النوع، ونسب الدعارة المخجلة والانتعاش المستمر لتجارة البشر والسياحة الجنسية، وارتفاع معدلات الإجهاض السري، وتعاطي المخدرات، وتزايد نسب الطلاق والتفكك الأسري، وامتهان التسول......كلها أعطاب تفضح واقع الهشاشة والمظلومية الذي يسعى البعض للتعمية عليه باختصار قضية المرأة في المشاركة السياسية وولوج مراكز القرار، شعار يعلو كعبه مع كل "استحقاق انتخابي" لكن سرعان ما يتكشف عوره. فرغم كل الإجراءات القانونية والتحفيزية جاءت نتيجة الانتخابات الجهوية الأخيرة في رئاسة الجهات والعموديات وكذا تكوين مكاتب الجماعات مخيبة للآمال. وفي الانتخابات التشريعية طفا على السطح سؤال الكوطا التي تحولت من آلية رافعة لتطوير المشاركة السياسية للمرأة، إلى وسيلة للريع السياسي ولم تستطع أن تفرز لنا كفاءات حزبية لاعتمادها على المصالح الشخصية والولاءات للنافذين في الحزب، مما يطرح سؤال الإرادة السياسية على الفاعل الرسمي وكذا الحزبي باستحضار أن مفاتيح تمكين المرأة تجد أساسها في تمكين المجتمع برمته، وتغيير العقليات المتجذرة فيه، ودمقرطة المشهد السياسي وامتلاك المواطن لقراره السياسي دون تدخل من أي جهة كانت.
إن أي محاولة لصرف النقاش العمومي عن قضايا الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية إلى قضايا لا تعكس الهموم الحقيقية للمرأة المغربية يضر بالمرأة أكثر مما ينفع قضاياها، كموضوع المساواة في الإرث الذي أثير انسجاما مع خيارات الدولة المغربية في إطار التزاماتها الدولية ورفع تحفظاتها عن معاهدة سيداو وما يستتبع ذلك من ضرورة ملاءمة القوانين مع مقتضيات المعاهدة، ولا يدخل ضمن أولويات النساء المغربيات اللواتي يعانين من واقع يتقاسم فيه 95% من ساكنة هذا البلد 5 % من خيراته وينعم فيه 5% من ساكنته ب 95% من خيراته، تلك هي القسمة الضيزى التي وجب التصدي لها. ويأتي في هذا السياق كذلك موضوع تقنين الإجهاض الذي تحول من محاولة للبحث عن حلول إلى حلبة للسجال وتبادل التهم.
إن معرفة الأسباب والأدواء واستئصالها من جذورها يحتاج إلى معالجة شمولية كلية تشاركية تحكمها رؤية استراتيجية واضحة لا تتجاهل المآسي اليومية التي تنخر أجسام بناتنا، مقاربة يحتل فيها المدخل التربوي الأخلاقي الوقائي مكانته المعتبرة، مقاربة توازن بين المدخل القانوني والمدخل الاقتصادي، مقاربة تستحضر البعد الاجتماعي والتعليمي. مقاربة من ورائها إرادة سياسية صادقة لتغيير مكامن الاختلال المجتمعي، وما ظاهرة الاجهاض السري إلا تجل من تجلياتها، وفي غياب هذا سيعيد المغرب إنتاج أزمة نسائه عاما بعد عام.
وإيمانا منا بهذه المقاربة حرص القطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان على استثمار جهوده التواصلية سواء داخل الوطن أو خارجه من أجل توضيح تصوره ومواقفه، متفاعلا بكل مسؤولية مع أهم القضايا النسائية التي شغلت الرأي العام هذه السنة، حيث جاءت بياناته وحوارات قياداته وتصريحاتهن ومساهماتهن الإعلامية متضمنة لذلك وموضحة له.
كما نسجل و باعتزاز كبير إصرار نساء العدل والإحسان، رغم ضريبة التضييق والحصار، استمرارهن في تأطير النساء المغربيات في عدد من المجالات، ومساهمتهن الفعالة إلى جانب الجمعيات الجادة في محاربة الجهل سواء في تجلياته الأبجدية أو الصحية أو القانونية أو الدينية، وأيضا من خلال العمل على إكساب النساء مهارات يدوية تسهم في تخفيف وطأة الفقر عليهن.
كما عرفت هذه السنة مبادرات تواصلية مهمة مع عدد من الفعاليات النسائية من أجل تقريب وجهات النظر في أفق البحث عن أرضية المشترك. وقد جدد القطاع النسائي دعوته لكل الجمعيات والتنظيمات النسائية ولكل المهتمين بالشأن النسائي من أجل التأسيس لجبهة نسائية توحد جهود الفاعلين في مواجهة واقع بئيس لا تزيده الأيام إلا استفحالا، إدراكا منا أن حجم الأعطاب المتراكمة لا يصلحها إلا الفعل الجامع والجهد الموحد.
4. الشباب.. سياسات رسمية تفتح المستقبل على المجهول
وإذا كان أبرز ملمح وسم حقبة ما بعد ربيع الشعوب سنة 2011 هو بروز الدور الرائد للشباب في ريادته الميدانية وقوته الاقتراحية، فإن السياسات الرسمية بالمغرب سارت في منحى معاكس لهذه الموجة العارمة، فنال الشباب ما نالته باقي فئات المجتمع من قمع وظلم وهضم للحقوق، فلم يسلم من الاعتقالات التعسفية والمحاكمات الصورية فضلا عن سلبه حقوقه الطبيعية في التنظيم والتجمهر والتعبير. ولا يزال شباب من النشطاء الحقوقيين والسياسيين والفنانين والطلبة وغيرهم معتقلين في سجون الظلم والقهر بتهم وقضايا ملفقة هدفها ثنيهم عن المضي في مواصلة المسير في درب الحرية والنضال.
وفي الوقت الذي تحاول الدولة شراء السلم الاجتماعي مع شغيلة غاضبة من السياسات المخزنية المتعالية والمتغطرسة، فإنها لا تلتفت إلى خطر آخر كامن يتنامى تعبيره عن نفسه بصوت عال وحركة ميدانية قوية، يتمثل في شبيبة مهملة على الهامش، بلا شغل، ولا أفق، غاضبة، وتقف على حدود اليأس. هذه الشبيبة، التي يخسر الوطن مساهمتها في البناء، هي نهب لكل الآفات، بعد أن أغرقها الاستبداد بالمخدرات والمهرجانات الهابطة وسياسات الإلهاء، ليضمن "تحييدها" وبقاءها على الهامش غير فاعلة، بل مفعولا بها. إن شبيبة محرومة من الحق في الشغل، ومن التعليم الجيد، ومن الصحة التي تضمن الكرامة، تبقى فريسة لكل العاهات المجتمعية، ومنتجة للآفات المجتمعية، ما يهدد التماسك الاجتماعي، لأنها ستكون محرومة من عيش حياة طبيعية، تبدأ من أسرة تعيش عيشا كريما، ثم تتلقى تعليما حقيقيا، ثم تشارك، بعد التأهيل العلمي، في البناء، ثم تُكوّن نواة جديدة لحياة أسرية جديدة، وهكذا. لكن حين ننظر في الواقع نجد الكوارث المجتمعية في محاكم الأسرة، وكيف يؤدي شباب المغرب، الذي أريد له أن يبقى في الهامش، الثمن من استقراره النفسي والاجتماعي. إنها "طاقات مُهْدرة"، وخسارة، وخطر، ولعبة قاتلة يلعبها النظام الاستبدادي. إنها تهديد للوطن، فهي يَوْمَ "تثور" ستكون خارج كل سيطرة بفعل حقد دفين على كل شيء رسمي، بعدما تلقت تعليما لا يعلّم، وبعدما حرمت من شغل يضمن المستقبل. إنها فريسة سهلة لدعاوى التطرّف في كل الاتجاه، يميناً ويسارا، بعدما نخرها الجهل، وسحقها الظلم، وأنهكها الفقر.
ومحاولة من شبيبة العدل والإحسان للإسهام بالنهوض بفئة الشباب والتصدي لهذه المخاطر فإنها تعمل ليل نهار من خلال الوجود اليومي في الجامعات والمدارس والمنتديات، رغم كل أشكال الحصار والملاحقة الأمنية لكل فعل جاد. ومن أبرز أنشطة شباب العدل والإحسان أطلقت تنظيم الحملة التواصلية الثالثة تحت شعار حقوقنا معا ننتزعها، حيث كانت فرصة للتجاوب مع ما عرفه هذا الموسم من تعبيرات احتجاجية لتنسيقيات شبابية وطلابية عدة استطاع من خلالها الشباب انتزاع حقوقهم المشروعة، ما أكد على أن المسعى الاحتجاجي في استرجاع الحقوق والمطالب لازال حلا أمام تعنت ولامبالاة المسؤولين بهموم الشباب وقضاياه. كما كانت هذه الحملة فرصة للنقاش والتواصل والتداول بين شبيبة العدل والإحسان وعدد من المنظمات والتنسيقيات الشبابية حول واقع الشباب وآفاق العمل المشترك للنهوض بوضعية الشباب خصوصا وبمستقبل البلاد عموما.
III- دوليا .. تواطؤ للانقلاب على إرادة الشعوب
على المستوى الدولي لم تتغير عناوين القضايا الكبرى إلا في بعض التفاصيل، فالقوى المستكبرة وفية للنهج نفسه، حفاظا على مصالحها واستمرار هيمنتها على ثروات الشعوب ومواقعها الاستراتيجية والحيلولة دون تحررها بدعم مفضوح لوكلائها المحليين وبتأزيم الأوضاع في مناطق وبؤر الصراع ، والتآمر لرفع الثمن الذي تدفعه الشعوب لنيل الحرية والكرامة والعدالة، والكيد لتشويه الإسلاميين والإسلام من خلال توظيف التيارات المتشددة، والتخطيط لتقسيم المنطقة وإشعال الفتنة الطائفية.
أحداث وتوتر واقتتال في أكثر من جبهة وساحة، بقدر ما تستنزف مقدرات الشعوب العربية، وتفوت عليها فرص التنمية، وتشوش على مشاريع التحرر وتعرقلها عن التبلور الميداني، وتوظفها أنظمة الاستبداد فزاعة لترهيب الشعوب عن الانتفاض للتحرر من القهر وتخييرها بين الركون لأنظمة الجبر ومآل الفوضى والفتن في زعم المستبدين إن هي قامت في وجوههم، فإنها تستغل أيضا لصرف الأنظار عن أم القضايا، فلسطين شعبا ومقدسات، فقد تضاعفت وتيرة الاستيطان وابتلاع الأراضي الفلسطينية والتقدم في تهويد القدس، وتجاوزت الاعتداءات الممنهجة على المسجد الأقصى والمقدسيين عموما، مثلما أضحى حصار غزة برا وبحرا وجوا واقعا في محاولة لإركاع المقاومة وفصلها عن حاضنتها الشعبية، ولم يعد الكيان الصهيوني يقيم اعتبارا لأي رادع مستفيدا من دعم مكشوف من الغرب وتواطؤ متزايد من النظام العربي الرسمي الذي تماهى محور اعتداله مع محور الممانعة المزعومة سكوتا عن الانتهاكات والعدوان على الشجر والحجر قبل البشر، وتطبيعا اقتصاديا وثقافيا ورياضيا وفنيا دون مراعاة لمشاعر الشعوب العربية والإسلامية.
وانطلاقا من تداخل الهم المحلي بهموم الأمة والإنسانية، فقد كانت جماعة العدل والإحسان حاضرة بقوة في مساندة المظلومين من خلال هيئة النصرة ومكتب العلاقات الخارجية التابعين للدائرة السياسية للجماعة، وتجلى ذلك في المبادرة إلى مساندة الشعب الفلسطيني في "انتفاضة الأقصى" المباركة التي انطلقت شهر أكتوبر 2015، والتفاعل الميداني مع جميع الملفات الفلسطينية الأخرى ومنها التنديد بمعاناة الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية بالتزامن مع ذكرى الأسير الفلسطيني عبر إطلاق الحملة الوطنية الثانية للتضامن مع الأسرى تحت شعار "حريتكم هدفنا"، والتنديد بالتهويد المستمر للمقدسات الفلسطينية وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك عبر الدعوة للاحتجاج في جمعة الغضب تحت شعار "أقصانا في خطر "، والانخراط في الفعاليات المنددة باستمرار الحصار الظالم على سكان قطاع غزة من خلال عضويتها في الهيئة الدولية لإعمار غزة.
كما نسجل المساهمة الهامة للجماعة في التضامن مع شعوب سوريا وليبيا ومصر، خاصة الوقفات الشعبية للتنديد بأحكام الإعدام الجائرة في حق المعتقلين في السجون المصرية والوقفات المنددة باستهداف المدنيين في سوريا الجريحة والتي كان آخرها وقفة "أنقذوا حلب" المنظمة بمدينة الدار البيضاء من طرف الائتلاف المغربي للتضامن المنظمة بتاريخ 30 أبريل 2016.
وتندرج هنا أيضا جهود الجماعة في التعريف بقضية أقلية الروهينجا المسلمة والتنديد بالإبادة التي تمارسها السلطات البورمية ضدها، وإدانة إعدام عدد من قياديي الجماعة الإسلامية ببنغلاديش، والتنديد بإعدامات كل من السعودية وإيران للمعارضين، وإدانة المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا والاعتداءات في ألمانيا وفرنسا وأمريكا والتنبيه إلى خلفياتها وخيوطها الظاهرة والخفية لمزيد من التضييق على المسلمين داخل الدول المستهدفة وخارجها بنقل الحروب إلى البلاد الإسلامية وفتحها أما الغزو والنهب.
وقد حرصت الجماعة، في تضامنها وتفاعلها مع هذه القضايا، على التنسيق والتعاون مع كثير من الهيئات والقوى المغربية في مقدمتها الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة والائتلاف المغربي للتضامن.
وضع بهذا السوء والانغلاق، لا يمكن أن ينفتح على مسار الانفراج والإصلاح الحقيقي إلا بالدخول من بوابة التغيير العميق الذي يلامس جوهر البنية السياسية من خلال:
1- القطع الجازم مع الاستبداد الذي كبل بناء الدولة، إذ لا إصلاح بأدوات فاسدة.
2- رسم مسار جديد بمقومات دولة الحرية والكرامة والعدل.
3- التوقف عن الرهان على الزمن لإعادة الأمور إلى أجواء ما قبل 2011، ولعل حادث قتل الشهيد محسن فكري رحمه الله أهم مؤشر على جاهزية مختلف شرائح المجتمع لرفض الاستبداد والحكرة والتحرك بمنسوب خارج عن كل التقديرات والتوقعات.
4- التمكين الحقيقي للاختيار الشعبي إذ لا حكم لمن لم يختره الشعب.
5- ربط كل مسؤولية بالمراقبة الشعبية والمحاسبة المؤسساتية والقضائية.
6- فتح حوار وطني يفضي إلى ميثاق جامع، وينبثق عنه دستور جديد تضعه هيأة تأسيسية منتخبة وتقره إرادة شعبية باستفتاء حر ونزيه يقعد للفصل التام بين السلطة والثروة، ويحقق القطع مع إرادة الفرد، ويؤسس للإرادة الجماعية الشعبية، ويضمن الاجتياز الآمن للمرحلة الانتقالية نحو الاستقرار المتين والعيش المشترك.

اقرأ ايضا
التعليقات